عبد الحي بن فخر الدين الحسني

458

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

ليلقى بها جرانا ، ويتخذ من أهلها جيرانا ، فنزل فيهم يحبوهم وينحلهم مما أعطاه اللّه سبحانه ، ويقوم الأود منهم بنصحه ويسد الثلمة منه بوعظه ، فكان الناس نقموا منه هذه الخصلة ، فقاموا عليه وكالبوه ورموه عن قوس واحدة ، فقوض خباءه من فنائهم ، وارتحل إلى حيث وجهه مولاه . وأشد من ذلك بلاءا ما أبلاء اللّه به في « الحديدة » وذلك أنه حين كان بها أمر قاضيها السيد حسين بن علي الحازمي ، وكان يشايع الزيدية بعد ما خالف الشريف حمود بن محمد على أهل « نجد » سنة أربع وعشرين ومائتين وألف . أن يزيد أهلها قول « حي على خير العمل » في ندائهم للصلوات ويدعوا ما توارثوه من السلف في أذان الفجر من قولهم « الصلاة خير من النوم » فإنه كان يراها بدعة إنما أحدثها عمر رضى اللّه عنه في امرته ، ولما رأى القاضي من امتناع الناس من ذلك الذي كان يسوله ويدعوهم إليه اشتد باطله فسطا على الناس وحبس أربعين نفسا من الحنفية الذين كانوا بها مكبولين في قيود من حديد ، وكان الشيخ ممن حبسهم وقيدهم فلم يقصر من عدوانه عليه دون أن زاده أذى . فجعل في رقبته ورقاب من يلوذ به من خويصة أهله أغلالا ، وأقامهم في الحبس ستة أيام ، ثم أخرجهم بأسرهم وخلى سبيلهم غير الشيخ فإنه أمر بضربه فضرب على ذلك ، ثم نفاه من الحديدة ثم أنه عاود مرة أرض قومه فدخل « نوارى » من بلاد « السند » وأقام بها ليالي معدودات ، ثم هزه الشوق إلى بلاد العرب ، فعطف إليها عنانه ، ثم رزقه اللّه تعالى العود إلى المدينة ، وأقام بها في غاية ما يكون من العز ، وولى رئاسة علمائها من قبل والى مصر ، ولم يزل مجتهدا في العبادة وإقامة السنن والصبر على الجفاء ونصح الأمة وخفض جناحه عليهم ونشر علومه حتى لقى اللّه عز وجل ؛ كما في « اليانع الجنى » . وقال القاضي محمد بن علي الشوكاني في « البدر الطالع » : إنه خرج إلى بندر الحديدة مع عمه وكان عمه مشهورا بعلم الطب مشاركا في